بعد مشاهد الجدل الواسعة والحادة وحلبة المصارعة التي شاهدناها عبر البرامج التلفزيونية حول مشروع تعديل قانون الأحوال الشخصية والذي يعتبر أحد أبرز القضايا الشائكة داخل المجتمع العراق، ويعود جذور هذا الجدل إلى تاريخ طويل من الصراع بين القوانين الوضعية والإحكام ألاهية ويتصاعد هذا الصراع مع تزايد المطالبات بإعادة النظر في القوانين المتعلقة بالأسرة والزواج والطلاق والإرث تثير هذه الصراعات مخاوف جدية بشأن آثارهُ المختلفة على جوانب الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد لما يؤدي إلى تغييرات جوهرية في العلاقات الأسرية التي تشكل بنية المجتمع وحقوق المرأة،ودور الدين في التأثير بعمل مؤسسات الدولة.
أدت هذه المخاوف إلى انقسام الرأي العام بين مؤيدين ومعارضين وتشكيل تحالفات مختلفة تدافع عن وجهات نظر متعارضة، حيث يدافع المؤيدون عن هذا التعديل على أساس أنه يحافظ على القيم الدينية والتقاليد الاجتماعية بينما يرى المعارضون أن هذا التعديل ينتهك حقوق المرأة، ويعمق الانقسامات الطائفية، ويؤدي إلى تراجع فكرة المواطنة في العراق .
يذكر فريق الإسلام السياسي في العراق وهو الفريق المؤيد للتعديل في محاولة لدحض فكرة الانقسامات الطائفية التي يؤدي بها هذا التعديل “أن التعديل أعطى المواطن حرية الاختيار بين مذهبه فلكلٍّ حقه في اختيار قوانين أحواله الشخصية وأن هذا التعديل لا يلغي قانون الأحوال الشخصية الحالي و النافذ ” لكن في الحقيقة التعديل نسف روح القانون الحالي عندما عزل التشريعات من المحاكم ووضعها بيد “رجال الدين” فهنا لم تعد هناك دولة واحدة ذات سيادة قانونية واحدة بل مجموعة طوائف تعيش تحت سقف دولة واحده!!
في مسودة قانون تعديل ( قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لعام 1959) في المادة (2) “: يُلغى نص الفقرة (5) من المادة (10) من القانون ويحل محله ما يأتي: -5- تصدق محكمة الأحوال الشخصية عقود الزواج التي يبرمها الأفراد البالغون من المسلمين، على يد من لديه تخويل شرعي أو قانوني من القضاء أو من ديواني الوقفين الشيعي والسني بإبرام عقود الزواج بعد التأكد من توافر أركان العقد وشروطه وانتفاء الموانع في الزوجين”
كما تعودنا في جميع تشريعات هذا النظام في زج نصوص ذات لغة ضبابية وعائمة واسعة التأويل وتحمل جدليات واسعة مطاطية ولا تفرق هذهِ الفقرة بشيء عن سوابقها فهي لا تذكر او تحدد الوضع القانوني بشكل صريح حول إن عقد الزواج المُبرم خارج المحكمة وعلى يد “أفراد مسلمين بالغين” هل يصبح باطلاً في حال قرر قاضي محكمة الأحوال الشخصية عدم أهليّة ووعي الفتاة للزواج .؟! وأيضا ذكر ” توافر أركان العقد وشروطه وانتفاء الموانع في الزوجين” هذه النقطة جدلية ومختلفة من شخص إلى أخر وكما انه لم يحدد بشكل صريح مَن له الحق أن يقرّر ويحدد عدم توافر أركان العقد وشروطه,
هل هو ولي الأمر(الاب).؟
أم رجل الدين حسب مذهب الزوج.؟
أم قاضي محكمة الأحوال الشخصية..؟
وهذا أيضا محل خلاف علية داخل الفقهاء, في لقاء سابق للمرجع الديني “الشيخ محمد اليعقوبي” في برنامج “حوار خاص” مع د.سعدون محسن ضمد عبر قناة الحرة عراق, يذكر سماحة المرجع اليعقوبي ” إنّ سن الفتاة ذات التسعة أعوام او الثلاث عشر عام حسب ما يعتمده هو سن البلوغ(التكليف) ليس معياراً في الزواج، بل يجب الأخذ في نظر الاعتبار الشروط الأخرى, كالوعي و الرشد والإدراك وفهم فحوى ومعنى الزواج” ويذكر في سياق الحديث ” أن قاضي محكمة الأحوال الشخصية قبل أن يوقع عقد الزاج ينظر بإجماع الشروط وانتفاء الموانع” وهذا ما يعني أن لقاضي الأحوال الشخصية تقرير أهلية الزاج من عدمه .
في الحين بعض الفقهاء يعطي حق الأهلية إلى ولي الأمر(الأب) والبعض الأخر إلى (السيد او الشيخ) الذي تتم على يده الزيجة الشرعية .
في حين مسودة قانون التعديل الجديدة لا يذكر أن قاضي محكمة الأحوال الشخصية له الحق في تحديد أهلية الزاج بل يجعل منهُ محض قاضي يصادق أو لا يصادق على عقد الزواج وفي الحالتين لن يكون عقد الزواج باطلاً.؟ ما دام أن الفقرة لا تحدد مَن له الحق في تحديد “عدم أهليّة ووعي الفتاة للزواج أو عدم توافر أركان العقد وشروطه وانتفاء الموانع في الزوجين” قد يرى قاضي محكمة الأحوال الشخصية عدم توافر أركان العقد وانتفاء شروطه، ولكن العقد قد وقع مسبقاً على يد “شيخ أو سيد” خارج تلك المحكمة وهذه ما يسبب الانقسام والتشتت في مَن علينا الإتباع “المحكمة” أم “الشيخ والسيد” والفقرة القانونية المقترحة لا تفصّل في هذه الإشكالات.
هذه التعديل يأخذنا إلى مفهوم يجعل من موافقة “قاضي محكمة الأحوال الشخصية” تحصيلاً حاصلاً إن وافق على عقد الزواج، أم لن يوافق فلن يؤثر في الأمر شيئاً كما إن التعديل وبهذه الفقرة هو يبيح عقد الزواج خارج المحكمة ويرفع العقوبة على مَن يفعل هذا من دون الرجوع إلى الدولة ومحاكمها وهنا يتأكد مفهوم أن هذه القانون يعزز الانقسامات ويضعف قوة قانون الدولة
يذكرايضا الاسلامويون المؤيدون للتعديل “إنّ هذا التعديل ديمقراطي إذ يعطى الفرد حرية اختيار في قانون ألأحواله الشخصية بين أحكام مذهبهُ الشيعي أو السنّي وأيضا بين قانون 1959 النافذ وترك لهم حرية الاختيار بين الاثنين” وهذه هي ضمن المغالطات المنطقية التي يستخدمها “الإسلام السياسي” في تمرير هذا التعديل الذي يشكل أزمة داخل المجتمع العراقي فهذا التعديل في حقيقتهُ لا يعطي الفرد هذه المساحة من الحرية في اختيار قوانين الأحوال الشخصية بين القانون الجديد والقديم لأنه لا يذكر هذا في النصوص القانونية المُعدَّلة بل يضعها هامشية في خاتمة التعديل تحت العنوان “الأسباب الموجبة” وهي التي تعتبر مجرد تعليل (وليس نص قانوني ) يريد من خلاله المشرَّع إثبات سبب تعديلهُ لقانون 1959، بمعنى أنها ليست فقرة قانونية بل تعليل للتعديل فحسب وهذا التعليل لا قيمة له في المدونة القانونية .
وفي النقطة “أ” من الفقرة الثالثة المضافة إلى المادة “2” من قانون 1959 تذكر ان ” للعراقي والعراقية عند أبرام عقد الزواج أن يختار تطبيق أحكام قانون الأحوال الشخصية رقم (188) لعام 1959، أو أحكام المذهب الشيعي أو السنّي لتطبّق عليه أحكامه في جميع مسائل الأحوال الشخصية. ويجوز لمَن لم يسبق لهم اختيار تطبيق أحكام مذهب معين عند أبرام الزواج، تقديم طلب إلى محكمة الأحوال الشخصية المختصة لتطبيق الأحكام الشرعية للأحوال الشخصية وفق المذهب الذي يختارونه ويجب على المحكمة الاستجابة لطلبهم.وعند حصول الخلاف بين الزوجين بشأن المذهب الذي جرى أبرام عقد الزواج وفقاً لأحكامه، يُعد العقد قد أُبرم وفقاً لمذهب الزوج ما لم يقم الدليل على خلاف ذلك”.
فضلاً عن جملة “عند حصول الخلاف بين الزوجين بشأن المذهب الذي جرى أبرام عقد الزواج وفقاً لأحكامه، يُعد العقد قد أُبرم وفقاً لمذهب الزوج ” هي واضحة بشكل تام حول سلب حق الزوجة في حال اختلفت مع الزوج يكون القرار للزوج.
وأن بعد إقرار التعديل يحق لمن اختيار قانون 188 لعام 1959 في السابق أن يقدّما طلباً لمحكمة الأحوال الشخصية بتغيير إلى أحوال المذهب الشيعي أو السنّي في حين لا تقول هذه الفقرة المعدِّلة بأحقية تقديم الزوجين طلباً لتغيير أحكامهما وأحوالهما من المذهبين الشيعي أو السنّي اللذين ابرما عقد الزواج وفقاً إليهما إلى القانون 188 لعام 1959، يعني يمكن لك أن تغيّر أحوالك الشخصية بعد الزواج من أحكام القانون المدني 188 إلى أحكام المذهب الشيعي أو السنّي، ولكن لا يمكن لك فعل العكس.
هذه هي لغة المخاتلة التي يستخدموها في النص اللغة التي كُتبَ بها هذا التعديل ذات إشكالية لا تشجّع على ديمقراطية وتعزز الانقسامات الطائفية وتقوض السلطة القانونية للدولة و تشجّع على مَذْهَبَة الأحوال الشخصية وطوأفتها أن اللغة تحمل أهمية كبرى في صياغات مشاريع القوانين, وبلغة التعديل الجديد ما نحن إلا جماعات سنية او شيعية لمجرد أننا وُلدْنا لأسر سنية او شيعية ولا يحقّ أن نكون مواطنين عراقيين ذات هوية وطنية واحده كون أن القوانين واحده من أهم القواعد التي تصنع الهوية الوطنية وتعزز الإحساس بالدولة الواحدة أن نشوة الانتصار عند الإسلام السياسي في هذه الفترة في العراق لا ينبغي أن تُنسينا نشوة وانتصار ما سبقها من أفكار وأيديولوجيات وكيف انتهت تلك الإيديولوجيات كما ستنتهي الحالية.